» الرئيسة » خلاصات » فوائد البنوك ربا صريح.. رداً على خالد الجندي..!! – بقلم: د. عبد الآخر حماد


فوائد البنوك ربا صريح.. رداً على خالد الجندي..!! – بقلم: د. عبد الآخر حماد

بقلم: فضيلة الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد الغنيمي

فضيلة الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد الغنيمي

خرج علينا خالد الجندي مؤخراً في برنامجه: (لعلهم يفقهون) بكلام طويل مؤداه أن فوائد البنوك حلال، وأن ما تفعله تلك البنوك من الإقراض بفائدة، أو إعطاء المودعِ نسبةً ثابتةً من المبلغ المودَع ليس من الربا الذي حرمه الله عز وجل. وهو في سبيل إثبات قوله هذا لم يتورع عن التدليس، وتسمية الأمور بغير أسمائها، والعجيب أنه مع ذلك يرمي مخالفيه بأنهم يخدعون الناس ويضحكون عليهم بحسب تعبيره.

فهو أولاً يستغل ما ورد في كتب الفقه من تقسيم الربا إلى نوعين: ربا فضل وربا نسيئة، وما رُوي عن بعض السلف من الخلاف في ربا الفضل، ليوهمَ الناس أن ما تفعله البنوك هو من هذا النوع المختلف فيه. فقد عرَّف ربا الفضل بأنه الزيادة المتفق عليها عند عملية الاقتراض؛ كأن يقول رجل لآخر أنا أعطيك عشرة آلاف على أن تردها لي بعد شهر أحد عشر ألفاً. ثم يزعم أن ربا النسيئة المجمع على تحريمه هو الزيادة غير المتفق عليها من أول الأمر، بمعنى أنه إذا جاء وقت السداد يقول المقترض ليس معي ما أسدد به القرض، فيعطيه المُقرضُ مهلة للسداد في مقابل أن يزيد عليه في الدين الذي عليه.

وبناء على تعريفه السابق لنوعي الربا يقول إن ما تقوم به البنوك هو من ربا الفضل المختلف فيه بين السلف. ليخلص من ذلك إلى القول بأنه لا يوجد في البنوك معاملة ربوية؛ لأنه -بحسب قوله- ليس في القرآن آية تقول: (إن أموال البنوك ربا). ورداً على ذلك أقول وبالله التوفيق:

  1. إن ما عرّف به خالد الجندي نوعي الربا غير صحيح، بل هو باطل لم يقل به أحد من أهل العلم. وإنما الصحيح أن ربا النسيئة هو الزيادة في القرض نظير الأجل سواء كانت تلك الزيادة متفقاً عليها من أوَّلِ الأمر، أو كانت عند حلول الأجل؛ بأن يتفق الدائن والمدين على الزيادة في الدين مقابل المد في الأجل. وأما ربا الفضل فهو الوارد في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والْبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والْمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ، أوِ اسْتَزادَ، فقَدْ أرْبَى، الآخِذُ والْمُعْطِي فيه سَواءٌ). [أخرجه مسلم (1584) وغيره من حديث أبي سعيد الخدري]. فالفضل معناه التفاضل، فيحرم بيع شيء من الأموال الربوية بجنسه متفاضلاً، كأن يُباع الدينار من ذهبٍ رديء بنصف دينار من ذهب جيد، أو يباع الصاع من تمرٍ جيد بصاعين من تمرٍ رديء. وقد كان في هذا النوع من الربا خلاف لبعض الصحابة، لكن رجع أكثرهم إلى قول الجماعة، حتى حكى ابن قدامة الإجماع على حرمة الربا بنوعيه حيث قال في المغني (4/ 134): (والربا على ضربين: ربا الفضل وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم على تحريمهما. وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة فحكي عن ابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة …). إلى أن قال رحمه الله : ( والصحيح قول الجمهور لحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ،ولا تشفوا بعضها على بعض ،ولا تبيعوا غائبا بناجز “.وروي أبو سعيد أيضا قال : “جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : من أين هذا يا بلال ؟ قال : كان عندنا تمر رديء، فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم .فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أَوَّهْ عين الربا ،عين الربا ،لا تفعل ، ولكن إن أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشترِ به” متفق عليهما ،قال الترمذي : على حديث أبي سعد العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ..) .
  2. وأما الصورة التي ذكرها الجندي وزعم أنها هي ربا الفضل، وهي أن يتفق المقرِض مع المقترِض من أول الأمر على الزيادة – كما تفعل البنوك الآن- فهذه ليست من ربا الفضل. وإنما هي إحدى صور ربا النسيئة المجمع على تحريمه. قال ابن قدامة في المغني (4/ 390): (وكل قرض شُرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف؛ قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة. ولأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه). وقال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (3/ 211): (أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف -كما قال ابن مسعود – أو حبة واحدة). وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (1/ 465) في معرض بيانه لربا الجاهلية الذي حرمه الإسلام: (.. والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدنانير إلى أجل، بزيادة على مقدار ما استقرض، على ما يتراضون به، ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد إذا كان متفاضلاً من جنس واحد … ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة).
  3. وهذه الصورة من ربا النسيئة هي التي تفعلها البنوك الآن كما أسلفنا، ومن أجل ذلك جاءت قرارات المجامع الفقهية مجمعة على تحريمها، وأولها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الذي قرر في دورته الثانية عام 1385هـ ،والقاضي بأن (الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي … وأن الحسابات ذات الأجل وفتح الاعتماد بفائدة وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة). ورحم الله شيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق الذي كانت فتاواه قاطعة في تحريم فوائد البنوك. ومن ذلك ما أفتى به حين كان مفتياً للديار المصرية من أن: (الاستثمار بإيداع الأموال في البنوك بفائدة محددة مقدماً، أو بشراء شهادات الاستثمار ذات الفائدة المحددة مقدماً قرض بفائدة، وبهذا الوصف تكون الفائدة من ربا الزيادة المحرم شرعاً). وقد ظل رحمه الله حتى وفاته سداً منيعاً ضد هذه الآراء المتساهلة المبيحة لما أجمعت عليه الأمة، وما اتفقت عليه كلمة الفقهاء.
  4. هذا وإن من تمام القول أن أبين عدم صحة ما زعمه خالد الجندي في برنامجه المشار إليه من أن ابن القيم يقول بعدم وجود نص في تحريم ربا الفضل، وأن العلماء إنما حرموه سداً للذريعة، فإن هذا أيضاً من التدليس والافتراء على ابن القيم. والصحيح أن ابن القيم كغيره من أهل العلم يقول بأن تحريم ربا الفضل ثابت بالنصوص الصريحة في الأحاديث النبوية، ولكنه يرى أن الحكمة التي توختها الشريعة من وراء هذا التحريم هي سد الذريعة، أي حتى لا يجرَّنا ربا الفضل إلى ربا النسيئة. وهذا هو نص كلامه رحمه الله في إعلام الموقعين ( 2/ 138) : ( وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرما ” .والرما هو الربا فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة ؛وذلك أنهم إذا باعوا درهماً بدرهمين ،ولا يُفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين ،إما في الجودة ،وإما في السَّكة ،وإما في الثقل والخفة ،وغير ذلك ،تدرجوا بالربح المعجَّل فيها إلى الربح المؤخَّر ،وهو عين ربا النسيئة ) إلى أن قال رحمه الله : ( ..فإذا تبين هذا فنقول الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس ،وتنازعوا فيما عداها … ) . فأين من هذا ما زعمه خالد الجندي هداه الله؟.

عبد الآخر حماد

الجماعة الإسلامية المصرية – البوابة الرسمية

https://www.eigportal.com/%D9%81%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%88%D9%83-%D8%B1%D8%A8%D8%A7-%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%AD-%D8%B1%D8%AF%D8%A7%D9%8B-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84/